علقت مجلة "ماكجيل انترناشونال ريفيو" الكندية على تصعيد النزاع حول سد النهضة الإثيوبي بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى خلال الشهور الأخيرة، وسط تبادل الاتهامات خصوصًا بين القاهرة وأديس أبابا. 

 

وقالت إنه عندما غمرت مياه الفيضان مصر والسودان في أوائل أكتوبر الماضي مما أدى إلى نزوح الآلاف وتدمير ملايين الأرطال من محاصيل المزارعين، سارع القادة السياسيون إلى توجيه أصابع الاتهام.

 

تصريحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا 

 

وأعلنت وزارة الموارد المائية والري المصرية، أن الفيضانات نجمت عن "إجراءات أحادية متهورة اتخذتها إثيوبيا في تشغيل سدها غير القانوني"، وأضافت أن "ممارسات إثيوبيا تفتقر إلى أبسط مبادئ المسؤولية والشفافية، وتشكل تهديداً مباشراً لحياة وأمن شعوب دول المصب".

 

بينما قالت إن السودان، الغارق في حرب أهلية تزداد دموية وأزمة إنسانية متفاقمة كان أقل عدائية، إذ وعد بتنسيق وثيق مع مصر وإثيوبيا لتحقيق المصالح المشتركة ومنع وقوع أضرار مستقبلية، إلا أنه بعد أيام، جدد السودان تأكيد رفض مصر القاطع لأي إجراءات أحادية الجانب بشأن النيل الأزرق.

 

وأشارت إلى أن إثيوبيا ردت بقوة، واصفةً مصر، بعقلية "الحقبة الاستعمارية"، وأنها تتبنى "نهجًا عدائيًا" من أجل "تعزيز طموحاتها غير المشروعة والهيمنة على حوض نهر النيل"، و" تقويض مسيرة إثيوبيا نحو الازدهار". 

 

وتدعي أديس أبابا، أن مصر تجرّ السودان إلى هذه الأزمة، على الرغم من دفاع إثيوبيا بأن السد ضروري لمنع "الدمار التاريخي".

 

ورأت المجلة أن "هذا الخطاب الحاد بين مصر والسودان وإثيوبيا ليس بجديد، فعلى مدى 14 عامًا، عارضت مصر والسودان بناء سد النهضة الإثيوبي، بينما واجهت أديس أبابا تأخيرات في البناء وارتفاعًا في التكاليف. وفي نهاية المطاف، تم افتتاح السد الذي بلغت تكلفته 5 مليارات دولار أمريكي في سبتمبر 2025".

 

فوائد سد النهضة لإثيوبيا 

 

ووصفت سد النهضة بأنه يعد أكبر سد في أفريقيا، معتبرة إياه أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية ضخم، فقد بُني باستقلالية تامة عن المساعدات الخارجية، وتأمل إثيوبيا من خلاله تحقيق حلم تاريخي بتوفير الكهرباء لـ 60 بالمائة من سكانها الذين يفتقرون إليها. 

 

كما سيوفر السد طاقة مستمرة للشركات، ويتيح لها بيع الطاقة للدول المجاورة. وتطمح إثيوبيا في نهاية المطاف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، ومع تلبية سد النهضة للنزعة القومية الإثيوبية، تسعى إثيوبيا إلى أن تصبح قوة عظمى حقيقية. واليوم، تؤمن إثيوبيا بأن تحقيق هذا الهدف بات ممكنًا، وفق المجلة.

 

لكنها ذكرت أن مصر لا تزال غير مقتنعة بتأكيدات رئيس الوزراء آبي أحمد بأن السد لن يضرّ بالسودانيين والمصريين، حيث إن 96 بالمائة من مساحة مصر صحراوية ، وتعيش الغالبية العظمى من السكان على ضفاف النيل، والذي يُعدّ أساسيًا الرؤية التنموية في مصر، والأهم من ذلك، أن مصر تعتمد عليه في دعم زراعتها. 

 

وقالت المجلة إن القطاع الزراعي يساهم حاليًا بثُمن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد،  ويُوظّف ربع القوى العاملة، ويُصدّر منتجات تُشكّل نسبة كبيرة من العملات الأجنبية، إضافةً إلى الزراعة، تُعدّ المياه ضرورية لتلبية الاحتياجات الأساسية لأكثر من 5000 نسمة لكل ميل مربع على ضفاف النيل في مصر، وعندما يتعرّض الوصول إلى النيل للخطر، تتضرّر سُبل عيشهم أيضًا.

 

نقطة الخلاف الرئيسة بين مصر وإثيوبيا 

 

واعتبرت المجلة أن هذه تمثل نقطة الخلاف الرئيسة بالنسبة لمصر، فأي انخفاض في تدفق النيل يُعدّ كارثة، وإثيوبيا تسيطر على 85 بالمائة من مياهه، وبات هناك احتمال حقيقي الآن أن تُجفف إثيوبيا مياه مصر، وهو احتمال سترفضه مصر رفضًا قاطعًا مهما بدا مستبعدًا.

 

بالنسبة للسودان، وصفت الأمر بأنه أكثر خطورة، نظرًا لأن النيل الأزرق يتدفق من إثيوبيا إلى السودان ليلتقي بالنيل الأبيض، وهو رافد رئيس آخر للنهر، ونظرًا لسيطرة إثيوبيا الكاملة على النيل الأزرق، يبقى السودان معتمدًا كليًا على حسن نية إثيوبيا.

 

مع ذلك، رأت أنه يستحيل ضمان تعاون إثيوبيا الحالي أو المستقبلي، لا سيما في ظل عدم استقرارها الداخلي وتنامي طموحاتها الإمبريالية. ولذا، أصبح سد النهضة معضلة للأمن القومي، حيث تسعى مصر والسودان وإثيوبيا إلى تحقيق توازن دقيق بين التنمية والمصالح الجيوسياسية.

 

بالنسبة لمصر والسودان، قالت المجلة إن تأمين تدفق النيل يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية لبقاء سكانهما، إلا أن ذلك يأتي على حساب سيطرة إثيوبيا على النيل، وتتطلب سيادة إثيوبيا المنشودة في مجال الطاقة تنازلات من مصر والسودان، وهي تنازلات سيرفضان تقديمها.

 

وخلصت المجلة إلى أنه لا يوجد حل سهل لهذه الأزمة، وأي مكسب لدولة ما يحمل معه تكاليف باهظة للدول الأخرى، وفي جميع أنحاء الجنوب العالمي، ستتفاقم هذه المعضلات الأمنية مع تضارب طموحات الدول النامية، أما بالنسبة لمن يعيشون على ضفاف النيل، فإن الحصول على المياه والكهرباء ومقومات الحياة الأساسية لا يزال مرهونًا بالمفاوضات السياسية والاستقرار الإقليمي.

 

https://www.mironline.ca/who-controls-the-nile-power-development-and-a-zero-sum-river/